الشيخ محمد رشيد رضا

147

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وما قذف بهؤلاء وأمثالهم ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه ، والسر الذي أفشيناه ، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل ، وما كل انسان يتحمل العقوبة راضيا مختارا . ثم قال ما مثاله : وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الانسان من شرحه وبيانه وهو ان الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الانسان عن الشهوات والمعاصي ، وفيه من معنى العقوبة والاعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى ، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودا ووقوعا لا نجده واقعا . لان المعروف أن الانسان إذا جاع يضرى بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه ، وآثار هذا ظاهرة في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعا بالشهوات منهم في عامة السنة ، فما سبب هذا وما مثاره ؟ أليس هو الضراوة بالشهوات - بلى ، ولا ينافي ما ذكره الأستاذ الامام تشبيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصوم بالوجاء في كسر سورة الشهوة ، لان المراد أن تأثيره في تربية النفس وتقوية الايمان يجعل صاحبه مالكا لنفسه يصرفها حسب الشرع لا حسب الشهوة هذا ما كتبته ونشر في الطبعة الأولى ورآه شيخنا ثم بدا لي فيه فالحديث رواه الشيخان عن ابن مسعود ولفظه « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » والوجاء بالكسر رض الأنثيين وهو يضعف الشهوة الزوجية إن لم يذهب بها كالخصاء ، والصيام يضعف هذه الشهوة إذا طال ، واقتصر الصائم في الليل على قليل من الطعام ، قال الحافظ في شرحه واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة لكن ذلك انما يقع في مبدأ الامر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك واللّه أعلم اه ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة ، وقد وصف اللّه تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم ، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله ( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء